السيد حيدر الآملي

386

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

في هذه المقالة الآتية بعد المقالة الثانية ، وهو هذا : المقالة الثّالثة في تحقيق قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً إلى قوله وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ [ سورة هود : 118 - 119 ] . اعلم ، أنّ هذا البحث مشتمل على بيان اختلاف الحقائق والماهيّات ، واختلاف النّاس في ذواتهم وحقائقهم وآرائهم وعقائدهم ، متمسّكا بقوله : وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ [ سورة هود : 118 ] . ( هل الاختلاف والكثرة في الماهيات بجعل الجاعل أم لا ؟ ) وهذا البيان مفتقر إلى تقديم مقدّمتين ، الأولى إلى أنّ الأعيان والماهيّات بجعل الجاعل ، والثّانية إلى أنّها ليست بجعل الجاعل ، والمذهب الأول مذهب أهل الظاهر والعلماء وأرباب التّقليد منهم ، والمذهب الثّاني مذهب أهل اللّه من العارفين الموحدين وبعض الحكماء . أمّا الطائفة الأولى ، فقالوا أنّ اللّه تعالى عليم حكيم لا يفعل إلّا على الوجه الأصلح والأنفع وعلى الوجه الّذي يقتضي علمه وحكمته لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [ سورة الأنبياء : 23 ] ، وعلى هذا التّقدير فاختلاف الماهيّات والأعيان يكون من مقتضى علمه وحكمته وكذلك جعلهم في الخارج وتخليقهم في عالم الشّهادة يرجع إلى علمه بهم في الأزل وجعله لهم على ما هم عليه مطابقا لما في علمه لقوله : وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ و يَحْكُمُ ما يُرِيدُ [ سورة إبراهيم : 27 ] . لكن تبقى هاهنا اعتراضات واحتجاجات كثيرة لأنّ كلّ ماهيّة من الماهيّات وكلّ عين من الأعيان له أن يعترض عليه ويقول : بلسان الحال أو القال لم جعلتني كذا وكذا وما جعلتني كذا وكذا كالشّقيّ مثلا بالنّسبة إلى السّعيد ، فإنّ له أن يقول : لم جعلتني شقيّا وما جعلتني سعيدا ، وكذلك الجاهل بالنّسبة إلى العالم والفقير إلى الغنيّ .